ابن كثير
86
البداية والنهاية
دار مروان وجاء الناس للسلام عليه ، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة ، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة وهم عروة بن الزبير ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو بكر بن سليمان بن [ أبي ] خيثمة ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وأخوه عبيد الله بن عمر ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة ، وخارجة بن زيد بن ثابت . فدخلوا عليه فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق ، إني لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم ، فإن رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة ، فأحرج على من بلغه ذلك إلا أبلغني . فخرجوا من عنده يجزونه خيرا ، وافترقوا على ذلك . وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بأن يوقف هشام بن إسماعيل للناس عند دار مروان - وكان يسئ الرأي فيه - لأنه أساء إلى أهل المدينة في مدة ولايته عليهم ، وكانت نحوا من أربع سنين ، ولا سيما إلى سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين . قال سعيد بن المسيب لابنه ومواليه : لا يعرض منكم أحد لهذا الرجل في ، تركت ذلك لله وللرحم . وأما كلامه فلا أكلمه أبدا ، وأما علي بن الحسين فإنه مر به وهو موقوف فلم يتعرض له وكان قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض أحد منهم له ، فلما اجتاز به وتجاوزه ناداه هشام ( الله يعلم حيث يجعل رسالاته ) [ الانعام : 124 ] . وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل منهم خلقا كثيرا ، وفتح حصونا كثيرة وغنم غنائم جمة ، ويقال إن الذي غزا بلاد الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح حصن بولق ، وحصن الأخرم ، وبحيرة الفرمسان ، وحصن بولس ، وقميقم ، وقتل من المستعربة نحوا من ألف وسبى ذراريهم . وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك وصالحه ملكهم نيزك على مال جزيل ، وعلى أن يطلق كل من ببلاده من أسارى المسلمين ، وفيها غزا قتيبة بيكند فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير وجم غفير ، وهي من أعمال بخارى ، فلما نزل بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد ومن حولهم من الأتراك ، فأتوهم في جمع عظيم فأخذوا على قتيبة الطرق والمضايق ، فتواقف هو وهم قريبا من شهرين وهو لا يقدر أن يبعث إليهم رسولا ولا يأتيه منهم رسول ، وأبطأ خبره على الحجاج حتى خاف عليه وأشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك ، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد وكتب بذلك إلى الأمصار ، وقد كان قتيبة ومن معه من المسلمين يقتتلون مع الترك في كل يوم ، وكان لقتيبة عين من العجم يقال له تنذر ( 1 ) ، فأعطاه أهل بخارى مالا جزيلا على أن يأتي قتيبة فيخذله عنهم ، فجاء إليه فقال له : أخلني فأخلاه فلم يبق عنده سوى رجل يقال له ضرار بن حصين ، فقال له تنذر : هذا عامل يقدم عليك سريعا بعزل الحجاج ، فلو انصرفت بالناس إلى مرو ، فقال قتيبة لمولاه سياه اضرب عنقه فقتله ، ثم قال لضرار : لم يبق أحد سمع هذا غيري وغيرك
--> ( 1 ) من الطبري ، وفي الأصل : تندر ، وفي ابن الأعثم : دون نقط .